منتدى العلوم الإنسانية لجامعة تبسة

منتدى يهتم بكل الشؤون التربوية و العلمية للطلبة و تقديم الدعم و المشورة في كل ما يخص مشوارهم الجامعي

    إتفاقيات إيفيان

    شاطر

    saddar1974
    Admin

    عدد المساهمات: 20
    تاريخ التسجيل: 04/02/2010
    العمر: 39

    إتفاقيات إيفيان

    مُساهمة  saddar1974 في السبت أبريل 24, 2010 6:10 pm

    خطــــة البحـــث
    مقدمــــة
    أولا : بين ضغط الثورة ....و تعنت الحكومة الفرنسية.
    مناورات الجنرال ديغول وحق الشعب الجزائري في تقرير المصير/1
    دوافع رضوخ ديغول للتفاوض مع الحكومة المؤقتة: /2
    الفعل ورد الفعل قبل التفاوض/3
    ثانيا: المفاوضات بين السرية .......و العلنية
    1/مراحل المفاوضات
    2/المفاوضات الرسمية
    3/مضمون اتفاقيات ايفيان

    ثالثا: الدولة الجزائرية الفتية....و تحديات الاستقلال
    1/ توقف القتال وإعلان الاستقلال :
    2/قيام الجمهورية الجزائرية:
    3/الاهتمامات المستعجلة للدولة الجزائرية
    خاتمــــــة

    مقدمـــــــــــــة
    لقد كانت انطلاقة شرارة الثورة المباركة في الأول من نوفمبر سنة 1954م بشيرا بميلاد فجر الحرية و الانعتاق ’فبعد ما يزيد عن القرن و ربع قضاها شعبنا تحت نير الاستعمار و العبودية ولدت من رحم هذه المعاناة و الكفاح الدولة الجزائرية العتيدة .
    ففي عشية الثامن عشر من شهر مارس عام 1962م أعلن المتفاوضون الجزائريون و الفرنسيون عن توصلهم لاتفاقيات ايفيان التي تم بموجبها وقف اطلاق النار في 19مارس1962م و نظم استفتاء لتقرير المصير قرر فيه الشعب الجزائري بأغلبية مطلقة إعلان استقلاله.
    فبالنسبة لجبهة التحرير الوطني، كان الحدث انتصارا كبيرا لأن كل الأهداف التي جاءت في نداء أول نوفمبر قد تحققت. ورغم أن ذلك تطلب وقتا طويلا وتضحيات جساما، فإن استرجاع السيادة الوطنية لايقيَّم بثمن كما لاتقيَّم بثمن سلامة التراب الوطني ووحدة الشعب، لكن هذا لم يكن هو رأي قيادة أركان جيش التحرير الوطني التي شاركت في المفاوضات بممثلين اثنين ثم أعربت عن عدم اقتناعها بالنتائج النهائية معربة عن تفضيلها للحل العسكري ورفضت التوقيع على الوثيقة، الأمر الذي جعل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تلجأ، في آخر لحظة، إلى تعيين ضابط سام للمساهمة في مراسيم التوقيع بدلا عن نائبي قائد الأركان اللذين كانا قد حضرا كل مراحل التفاوض.
    فيا ترى ما هي مراحل التفاوض بين الجانبين الجزائري و الفرنسي ’ و ما الذي جعل فرنسا تضطر للتفاوض مع جبهة التحرير الوطني و تعترف بها كممثل شرعي وحيد للشعب الجزائري؟


    أولا : بين ضغط الثورة ....و تعنت الحكومة الفرنسية.

    مناورات الجنرال ديغول وحق الشعب الجزائري في تقرير المصير:/1
    لقد مرت الثورة الجزائرية بمرحلة حرجة خلال سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف، وبدأ ذلك بالإعتداء على مبادئ التسيير التي وضعها مؤتمر وادي الصومام وخاصة مبدأ القيادة الجماعية عندما قرر ثلاثة من أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ إعدام رفيق لهم دون، الرجوع إلى باقي أعضاء اللجنة ودون تقديم أي مبرر غير الجري وراء السلطة.
    إن إغتيال عبان رمضان في شهر ديسمبر عام 1957 قد تسبب في تجميد نشاط لجنة التنسيق و التنفيذ لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر، وفي زرع بذور الشك في أذهان مختلف العناصر القيادية إلى درجة أن الثقة المتبادلة اختفت نهائياً. وقد إنعكس ذلك سلباً على سائر نشاطات جبهة التحرير الوطني و جعل معظم الطاقات تتصرف إلى الإحتراس من الآخر والتفنن في إيجاد وسائل الأمن الفردية، وفي نفس الوقت كانت السلطات الاستعمارية تقيم حاجز موريس وتعمل على دعمه بخط شال .
    وإبتداء من الفصل الأول لسنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف أصبح الحاجز مستحيل الإجتياز إلا إذا وافقت وحدات جيش التحرير الوطني على ترك ثلاثة أرباعها في الميدان مقابل ربع قد يصل إلى الأراضي الجزائرية، ورغم كل ذلك فإن السيد كريم بلقاسم ظل يوهم القيادة بأن الأسلاك المكهربة لا تشكل صعوبة تذكر في وجه قواتنا المقاتلة. وإلى جانب خط موريس كانت هناك الظاهرة الديغولية التي عم مفعولها البسيكولوجي مختلف أنحاء الجزائر ابتداءً من الثالث عشر من ماي سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف. فالدعاية الإستعمارية إستطاعت في ظرف قصير جداً أن تثبت في أذهان المواطنين الجزائريين عظمة الجنرال ديغول وقدرته على تسوية المشكل الجزائري واستعداده لتحقيق السلم في ربوع البلاد، ولم ينجوا من تأثير هذه الغاية حتى بعض كبار المسؤولين في جبهة التحرير الوطني وفي التنسيق والتنفيذ بالذات.
    إن الجنرال ديغول يعدّ من أعظم الرؤوساء الذين عرفتهم فرنسا، ما في ذلك شك، و عظمته هي بالضبط ما يكذب الدعاية الاستعمارية المذكورة، وقد أورد هو نفسه في مذكراته ما يدعم قولنا هذا عندما توقف طويلاً عند المسألة الجزائرية مؤكداً ((رجالاً تاريخيين أمثال دويرمون( )وبيجو( ) وكلوزيل( ) وهم الذين بذلوا جهوداً جبارة من أجل إلحاق الجزائر بفرنسا. وليس من المعقول أن تضيع هذه المستعمرة في عهد حكومتنا))( ). لأجل ذلك فإنه فكر وقدر ثم وضع بنفسه خطة للقضاء على الثورة ترتكز على دعائم أساسية هي:
    - التنمية الإقتصادية قصد تشغيل المواطنين وعزلهم عن جبهة التحرير الوطني وقد وظف لذلك أرصدة مالية كبيرة في إطار مايسمى بمشروع قسنطينة الذي أعلن عن ميلاده والشروع في تجسيده يوم الثالث من شهر أكتوبر سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف.
    - إيهام الرأي الفرنسي والعالمي بالجنوح إلى السلم قصد الحد من الإنتصارات التي حققتها وتحققها جبهة التحرير الوطني في حظيرة الأمم المتحدة ولدى منظمات الجمهورية المختلفة.
    إعادة تنظيم الجيش وتزويده بأحدث أنواع الأسلحة مع أمره بتكثيف العمليات العسكرية- الهجومية، وبهذا الصدد استدعى الجنرال صالان إلى باريس واستبدله في اليوم الثاني من شهر ديسمبر بالجنرال شال كقائد عام للقوات المسلحة وبول دولوفريبي كمندوب عام لفرنسا في الجزائر.
    وإذا كان الجنرال ديغول في العلانية يبدي نفس الإهتمام بالدعائم الثلاث المذكورة، فإنه في الواقع، كان يراهن فقط على الدعامة الثالثة معتقداً أن الإستراتيجية الجديدة( ) التي بشربها الجنرال شال قادرة على إنهاء الثورة في أجل قريب.
    وبالفعل، لقد وضع تحت تصرف قائد القوات المسلحة الجديد إمكانيات ضخمة في المجالين المادي والبشري، ولمساعدته تم تعيين وترقية مجموعة من الجنرالات والعقداء الذين تخرجوا من المدارس العسكرية العليا أو الذين اكتسبوا في الميدان، خبرة واسعة في حرب الفيتنام وفي الجزائر نفسها.
    ولم تكن استراتيجية شال مجرد حبر على ورق، بل أن كل المصادر تؤكد على أن كل العمليات العسكرية التي انطلقت مع بداية العام الجديد قد شكلت خطراً كبيراً على جبهة التحرير الوطني خاصة في الولايتين الثالثة والرابعة. أن هذه العمليات قد تواصلت إلى غاية عام ستين وتسعمائة وألف ملحقة اضراراً بالمدنيين وخسائر بجيش التحرير الوطني لم يعرف لها مثيل لا من قبل ولا من بعد( )، وهو الأمر الذي جعل فرحات عباس يقول في كتابه ((تشريح حرب)) ((إن الجزائر لم تعرف ثقل الحرب مثل ما عرفت ذلك في عهد الجنرال ديغول) لكن، على الرغم من كل هذه الجهود، فإن الجنرال شال لم يحقق الإنتصارات العسكرية التي طلبها منه رئيس الدولة الفرنسية الذي اضطره الواقع إلى الحل المبني على التفاوض وهو الحل الذي شرع في تطبيقه منذ 16/05/1959 عندما صرح، باسم فرنسا، أنه يعترف للشعب الجزائري بحقه في تقرير مصيره.
    سياسة ديغول للقضاء على الثورة (عسكرياً) وقبل ذلك، كان الجنرال ديغول، في اليوم السابع عشر من شهر أفريل، أي بعد المعركة التي استشهد فيها قائد الولاية الثالثة والولاية السادسة بحوالي أسبوعين فقط، قد وجه رسالة تهنئة إلى الجنرال شال جدد له فيها ثقته المطلقة في نجاح برنامجه الذي قال عنه إنه يستحق التهنئة الكاملة في الجزائر )وزادت هذه التهاني من غرور الجنرال شال الذي أدلى بعدها بأيام فقط إلى جريدة لومند الفرنسية بحديث أكد فيه أنه "آخذ بزمام الأمور وأن الإنتصار العسكري لا شك فيه وهو قريب".
    ولم يلجأ الجنرال ديغول إلى تقرير المصير إلا عندما تأكد بنفسه من أن مخطط شال استهلك ولم يعد قادراً على التوصيل بسبب المقاومة غير المنتظرة التي أبدتها وحدات جيش التحرير الوطني التي عرفت كيف تتكيف مع الوضع الجديد من جهة( ) ونتيجة ظهور معارضة شديدة للمخطط المذكور في صفوف الضباط السامين في الجيش الفرنسي نفسه من جهة ثانية( )فمن المعلوم أن شال أسس مخططه على النتائج المستخلصة من تجربة الجيش الاستعماري في الهند الصينية، محاولاً توظيف أساليب الحرب الثورية والدعاية النفسية التي طبقها القائد "هوشي منه" بعد أن اقتبسها من الزعيم الصيني "ماوتسي تونغ". لكنه لم يأخذ في الاعتبار شيئاً أساسياً هو أن تلك الأساليب الثورية والدعاية النفسية ما كانت لتنجح في تقويض أركان الاستعمار الفرنسي بالهند الصينية لولانبل الهدف المقصود وطبيعة التيار التحريري وتفاعل الشعب مع قيادته كلها عوامل لا يمكن للجنرال شال أن يتوفر عليها لإنجاز مخططه الذي لم يكن مصيره أحسن من مصير مخطط الجنرال نافار( )في الهند الصينية.
    دوافع رضوخ ديغول للتفاوض مع الحكومة المؤقتة: /2
    وفي مذكراته التي نشرت مطبوعة سنة سبعين وتسعمائة وألف، تعرض الجنرال ديغول إلى الأسباب الحقيقية التي جعلته يختار تقرير المصير كحل نهائي للمسألة الجزائرية فقال: "كما هي العادة، فإن الاتصال المباشر مع الناس في مواطن نشاطهم قد وضع في ذهني معطيات ما كانت جميع التقارير لتستطيع تبيانها، لقد تأكدت الآن أن الثورة قادرة وستبقى قادرة إلى ما نهاية على إبقاء المقاومة في المناطق خاصة وذلك بمساعدة السكان. ففي هذا الصدد لفتت انتباهي مجموعة من المؤشرات منها أنني، حينما حللت بالأرياف، فإن الفلاحين الذين يسوقهم العسكر للتحية، يقفون باحترام على حافتي الطريق لكنهم يفعلون ذلك في صمت رهيب. أما في تيزي وزو، مثلاً، حيث كثافة السكان لا تسمح للجيش بإجبار الناس على التجمع، فإنهم لم يأتوا للقائي رغم مكبرات الصوت التي كانت تعلن عن مقدمي، وفي قرية من قرى منطقة القبائل حاولت السلطات أن يكون الإستقبال نموذجياً، فحييت بحرارة عند مدخل البلدية واستمعت للأطفال ينشدون النشيد الوطني الفرنسي. لكن، عندما هممت بالخروج، تقدم مني كاتب البلدية المسلم منحنياً، مرتعشاً وقال لي: أيها الجنرال، لا تنخدعوا أن الجميع هنا يريدون الإستقلال، وفي مدينة سعيدة حيث قدم لي البطل بيجار فرقة جورة "المكونة من الفلاقة المعتقلين والمستسلمين، وكان من بينهم طبيب عربي فسألته: "مارأيكم يا طبيب أجابني قائلاً وعيناه مغروقتان بالدموع: أن ما نريده، وما نحن بحاجة إليه هو أن نكون مسؤولين عن أنفسنا وأن لا يسأل عنا أحداً". إذن، أصبحت متأكداً أكثر من أي وقت مضى ورغم أننا نضيع الرجال والمال سدى في محاولتنا فرض الجزائر الفرنسية، وإن السلم لن يأتي إلا بمبادرات سياسية في اتجاه آخر وعلى فرنسا أن تفعل ذلك".
    * ومن جهة أخرى، استطعت أن تحقق من مواصلة حرب مستحيلة إلى ما لانهاية ستعرض جيشنا ومن خلال وحدتنا الوطنية إلى خطر، لأن طبيعة العمليات تؤدي حتماً إلى انقسام قواتنا".
    "لأجل ذلك، فإنني تعمدت مخاطبة الضباط المسؤولين عن العمليات قائلاً: إذا كان نجاح العمليات الجارية أساسي، فإن المشكل الجزائري لن يجد حله إلا إذا حصلنا على موافقة الجزائريين... وأن عهد الإدارة بواسطة الأوربيين قد انقضى... وإننا نواجه هذه الدراما في "الوقت الذي يتم فيه تحرير جميع الشعوب المستعمرة... أما أنتم، فاسمعوني جيداً إنكم لستم الجيش من أجل الجيش. إنكم جيش فرنسا. لا وجود لكم إلا بها ولها وأنتم في خدمتها. وإن المسؤولية التي أتقلدها لتوجب على الجيش طاعتي لتحيا فرنسا. وأني لمتأكد من أنكم تفعلون ذلك وباسم فرنسا فإنني أشكركم عليه"( ).
    إن اعتراف فرنسا بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه يعد إنتصاراً كبيراً بالنسبة لجبهة التحرير الوطني، لأنه يسحب ورقة أساسية من أيدي الديبلوماسية الفرنسية التي ما فتئت تشهر في وجه الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة واقع الجزائر كجزء لا يتجزأ من الجمهورية الفرنسية، أما الآن وقد اعترف رئيس الدولة الفرنسية بتمايز الشعب الجزائري عن الشعب الفرنسي، فإن الأمر قد تغير، وسهلت مهمة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية قصد تحقيق المزيد من الإنتصارات في المجال الديبلوماسي، بل أن طريق التفاوض قد أصبح مفتوحاً وخالياً من كل العراقيل.
    ولقد كان هذا هو رأي جبهة التحرير الوطني نفسها إذ في افتتاحية لسانها المركزي، العدد السادس والخمسين: "إن القضية التي حاربنا من أجلها خمس سنوات والتي سجلها أول بيان للثورة وهي قضية تقرير المصير قد حلت بموقفين متكاملين اتخذ أحدهما يوم 16 سبتمبر عندما أعلن رئيس الجمهورية الفرنسية، لأول مرة، عن اعتراف فرنسا بحق تقرير المصير للشعب الجزائري، واتخذ ثانيهما يوم 28 من نفس الشهر عندما أعلنت الحكومة الجزائرية قبولها لهذا المبدأ كأساس لتسوية المشكلة"( ).
    لكن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كانت، في هذه الأثناء، تعاني أزمة السلطة والنفوذ نتيجة الأحداث التي سبق أن تعرضنا لها في بداية هذا الفصل وبسبب موقف، كريم بلقاسم الذي أصبح، أكثر من أي وقت مضى، يعمل على الإنفراد بالقيادة العليا شاهراً في وجه الجميع كونه الوحيد المتبقي طليقاً وعلى قيد الحياة من بين أعضاء القيادة التي أشعلت فتيل الثورة( )ويذكر السيد فرحات عباس أن هذا الشعور بالتعالي الذي كان يحرك بلقاسم كريم قد قوبل بآخر لا يختلف عنه من طرف العقيدين بو الصوف وابن طوبال اللذين" لم يترددا في التذكر بأنهما شاركا في إجتماع الإثنين والعشرين عندما كان كريم ما يزال متعلقاً باهداب مصالي" وخوفاً من أن يشتد الصراع ويتحول إلى مالا يحمد عقباه يتحمل رئيس الحكومة.( ) مسؤولياته ووجه إستدعاء إلى مجلس الولايات للإجتماع من أجل الحلول اللازمة للمشاكل التي تراكمت ولكي تضع حداً للنزاعات الشخصية القائمة ليس بين الباءات الثلاثة فقط ولكن بينهم فرادى ومجتمعين وبين عدد آخر من الأعضاء الأساسين في القيادة( ).
    وعندما ألقى الرئيس خطابه التاريخي في اليوم السادس عشر من شهر سبتمبر، كان بعض قادة الولايات قد وصلوا إلى تونس التي حددت كمرحلة أولى قبل الذهاب إلى طرابلس( )ولم يكن بالإمكان تنقل مجالس الولايات لأسباب أمنية وعملية، ولذلك تم الإتفاق على أن تسند المهمة المحددة من طرف رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية إلى خمس عقداء الولايات بالإضافة إلى العقيدين المسؤولين عن قيادة الأركان والباءات الثلاث
    الفعل ورد الفعل قبل التفاوض:/3
    بعد إنتهاء أشغال المجلس الوطني في اليوم الثامن عشر من شهر جانفي سنة ستين وتسعمائة وألف. دخلت الثورة الجزائرية مرحلتها المتمثلة في تثوير الجماهير الشعبية ودفعها في اتجاه الانتفاضة الشاملة قصد إرغام العدو على قبول التفاوض كما حدده بيان الفاتح من نوفمبر أي على أساس الإعتراف بالسيادة الوطنية ووحدة التراب الوطني مع إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.
    أن المجلس الوطني، أثناء مداولاته التي دامت أكثر من شهر كامل( ) كان قد أبدى عدداً من الملاحظات حول المرحلة الثانية التي كانت تعني إقامة مناطق محررة على الحدود الجزائرية كمنطلق لإنهاك قوات العدو ولتوفير الإسناد الضروري لجبهة التحرير الوطني في عملية جر الجماهير الشعبية إلى خوض المعركة الحاسمة في شوارع كافة المدن الجزائرية.
    بالنظر إلى هذه الظروف وتقديراً للحملة الواسعة التي تقرر الشروع في القيام بها على الحدودين الشرقية والغربية من أجل إعادة لمّ وحدات وفيالق جيش التحرير الوطني التي كانت قد بدأت تتشتت بفعل الأزمات المتتالية التي تعرضنا إليها في الفصلين السابقين ولكي يعود الإنضباط من جديد إلى صفوف المجاهدين قررت قيادة الأركان المتمركزة بغار الدماء على الحدود التونسية وتأجيل الدخول لأرض الوطن إلى وقت لاحق وبالموازات مع هذا القرار شرعت قيادة الأركان في ربط العلاقات الطبيعية مع الولايات كخطوة أساسية في طريق توحيد جيش التحرير الوطني بفرنسا من أجل التخطيط والتنسيق للعمل الفدائي هناك.
    و لقد أدى تزايد العمليات في المدن، واستمرار الجنرال ديغول في طريق التسوية على أساس تقرير المصير إلى إغاظة دعاة الجزائر الفرنسية، أنصارها المدنيين والعسكريين على حد سواء، وقادا إلى ظهور بوادر التمرد على أعلى المستويات وخاصة في الجيش إذ تجرأ الجنرال ماسي على التصريح لإحدى الجرائد الألمانية بأنه يعارض هذه السياسة وهو على إستعداد لمقاومتها بجميع الوسائل عندما يقتضي الحل ذلك( ).
    ومما لاشك فيه أن تصريح ماسي لم يكن بريئاً ولا عفوياً ولكنه جاء نتيجة تشاور وتفاهم مع غلاة المعمرين الذين كان النائب لاقيارد يتزعم نشاطهم.
    رغم ذلك وحفاظاً على سمعته أمر ديغول بنقل ماسي إلى فرنسا يوم 22/01/1960 وكان الإجراء سبباً مباشراً ليعلن لاقيالارد (LA GAILLARDE) يوم 22/01/1960 عن احتلاله لجامعة الجزائر على رأس مجموعات غفيرة من الأرجل السوداء ووحدات الدفاع المحلي. ووجه نداء إلى السكان الأوربيين ليتظاهروا عشية اليوم الذي بعده وهو يوم أحد للتدليل على تضامنهم مع المتمردين ولإرغام الحكومة الفرنسية على تغيير سياستها.
    وبالفعل، فإن المظاهرات التي جرت صاخبة لكنها لم تمنع ديغول من توجيه أوامره إلى كل من دولوفريي وشال لإستعمال العنف في سبيل إسترجاع الهدوء ثم أخذ الكلمة، عن طريق الإذاعة، في اليوم الثالث للتمرد فوصف الأحداث بالعصيان الذي لا يمكن أن يثنيه عن الطريق التي اختارها لفرنسا في تعاملها مع القضية الجزائرية ولما أحس بأن ثمة تردداً في موقف القائد الأعلى للقوات المسلحة نفسه وخشي أن تسري العدوى إلى فرنسا ذاتها، ارتدى زيه العسكري في اليوم التاسع والعشرين من شهر جانفي ووجه خطاباً متلفزاً إلى الشعب الفرنسي للتأكيد على أن تقرير المصير "قرار حكومي صادق عليه البرلمان ووافقت الأمة الفرنسية على أنه المخرج الوحيد الذي بقي ممكناً"( ). وبعد هذا الخطاب الذي كان شديد اللهجة تدخل الجيش بقوة في اليوم الموالي وقضى على التمرد برفع الحواجز وتنظيف الطرقات وإعتقال رؤوس الفتنة وفي مقدمتهم لاقيارد ودوسيزيني ودو ماركي في حين تمكن أورتيز من الفرار إلى إسبانيا في إنتظار تكوين منظمة الجيش السري (المنظمة السرية المسلحة).
    صحيح أن رئيس الدولة الفرنسية قد واجه، بحزم، هذا التمرد منذ بدايته لكنه لم يفعل ذلك حباً في الجزائر أو رغبة في تمكين شعبها من ممارسة حقه في تقرير مصيره. لقد كان بإمكانه أن يفعل ذلك عندما كان قائد فرنسا بلا منازع خلال الحرب الإمبريالية الثانية، لكن قناعته الإستعمارية ووطنيته الضيقة منعته، في ذلك الوقت من القيام بأعمال العظماء الأحرار، وجعلته، في سنة ستين، يشتت صفوف المتمردين على سلطته ويعمل في ذات الوقت على تلبية مطالبهم لأنها هي نفس مطالبه وهي تتمثل، رغم التظاهر بالجنوح إلى السلم والتصريحات المتتالية الداعية جبهة التحرير الوطني إلى التفاوض، في التعجيل بإعدام أسرى الحرب والمعتقلين السياسيين وفي تكثيف العمل العسكري من أجل القضاء على جيش التحرير الوطني وإبراز قوة ثالثة تقبل بالحلول التي تمليها فرنسا والتي لا تكون متناقضة مع مصالحها في جميع الميادين.
    إن الجنرال ديغول الذي يريد الحفاظ، بشتى الوسائل، على السمعة التي أكتسبها عالمياً، يقدم تفسيراً خاصاً لأوامره القاضية بتكثيف العمل العسكري في الوقت الذي كان يدعو فيه إلى السلم عن طريق التفاوض، ففي هذا الصدد يؤكد في مذكراته أنه مقتنع فعلاً، بضرورة إخراج فرنسا من هذه الحرب لكنه يريد قبل ذلك "أن تتمكن القوات الفرنسية من السيطرة على الميدان وتبقى كذلك إلى أن أرى الوقت مناسباً لأمرها بالإنسحاب( ).
    ففي هذا السياق قام بزيارة إلى الجزائر دامت من الثالث إلى السابع من مارس سنة ستين وتسعمائة وألف، تفقد خلالها، معظم المناطق التي تتمركز بها قواته المسلحة ثم جمع الضباط السامين المكونين لقيادات الأركان وخاطبهم قائلاً: "إن المعركة لم تنته، إنها قد تستمر أشهر وأشهراً، ومادامت مستمرة فإن الواجب يدعوكم إلى مغالبة العدو والتغلب عليه( ).
    ومن جهة أخرى، وجه رئيس الدولة الفرنسية اهتمامات بالغة بعملية زرع الشقاق في صفوف الثورة الجزائرية ومحاولة عزل بعض الولايات من أجل التفاهم معها في القوة الثالثة التي كان يعمل على إيجادها من أجل الضغط على جبهة التحرير الوطني. وسوف لن ينسى التاريخ زيارة مجالس الولاية الرابعة إلى فرنسا وإستقباله في قصر الإليزية من قبل الجنرال ديغول نفسه. لقد تم ذلك في سباق ما يسمى بسلام الشجعان وبواسطة المساعدين المقربين للجنرال وفي مقدمتهم الوزير الأول ميشال دويري وبانار تريكو والعقيد ماتهون.
    ويذكر السيد فرحات عباس أن المقابلة مع الجنرال ديغول لم تكن من أجل إيجاد حل للقضية الجزائرية بل إن فرنسا كانت تهدف إلى ضرب وحدة الصف الجزائري.
    إن هذه الهزيمة التي منيت بها سياسة الجنرال ديغول، مضافة إلى النتائج السلبية. التي توجت الإنتخابات الجهوية التي جرت في شهر ماي والتي كانت السلطات تراهن عليها لإبراز عناصر القوة الثالثة، كل ذلك قد فرض على رئيس الدولة الاستعمارية العودة إلى مبدأ حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، وقد جاء ذلك في خطاب توجه به إلى الأمة الفرنسية بتاريخ الرابع عشر من شهر جوان قال فيه على الخصوص:
    "في السادس عشر من شهر ديسمبر فتحت طريق مستقيمة وواضحة، الطريق الموصلة إلى السلم... فحق الجزائريين في تقرير مصيرهم هو الوحيد ومن الدوامة المعقدة والمؤلمة... أنني، مرة أخرى، التفت باسم فرنسا إلى قادة الثورة إننا ننتظرهم هنا لنجد معهم نهاية مشرفة للمعارك التي تتواصل حتى الآن. بعد ذلك، سيتم كل شيء لكي تعطى الكلمة إلى الشعب الجزائري وهو مطمئن البال وسوف لن يكون القرار إلا ما يقرره هو بنفسه.( )
    بعد هذا الخطاب بأقل من أسبوع وصل إلى مولان( ) وفد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية مكوناً من السيدين أحمد بومنجل( )ومحمد الصديق بن يحيى( )، غير أن اللقاءات بين الطرفين لم تؤدِ سوى إلى كسر الحواجز النفسية وفتح الباب واسعة أمام المفاوضات الحقيقية التي سوف تنطلق بعد إستفتاء الشعب الفرنسي بتاريخ الثامن من شهر جانفي سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف.

    ثانيا: المفاوضات بين السرية .......و العلنية

    إتفاقيات إيفيان هي مفاوضات تمت بين الجزائر و فرنسا بين عامي 1960 و 1962 ومن خلالها تحصلت الجزائر على استقلالها من فرنسا .
    1/مراحل المفاوضات:
    حددت جبهة التحرير الوطني أهدافها،و معالمها ، ووسائلها بوضوح دون استبعاد خيار السلم حيث جاء في بيان أول نوفمبر 1954 : "... وفي الأخير ،وتحاشيا للتأويلات الخاطئة، وللتدليل على رغبتنا الحقيقية في السلم وتحديدا للخسائر البشرية وإراقة الدماء فقد أعددنا للسلطات الفرنسية وثيقة مشروعة للمناقشة إذا كانت هذه السلطات تحذوها النية الطيبة، وتعترف نهائيا للشعوب التي تستعمرها بحقها في تقرير مصيرها بنفسها... فتح مفاوضات مع الممثلين المفوضين من طرف الشعب الجزائري على أسس الاعتراف بالسيادة الجزائرية وحدة لا تتجزأ...". ومن هذا المنطلق كان أسلوب ومنهج جبهة التحرير الوطني واضحًا من حيث الموازنة بين العمل العسكري في الداخل والنشاط السياسي والدبلوماسي، فلم تكد تمر ستة أشهر من عمر الثورة حتى دوى صيتها في الكثير من المنابر والمحافل، الدولية بما أتاح تدويل القضية الجزائرية من خلال تمثيلها بوفد في جلسات أشغال مؤتمر باندونغ ، وفي المقابل لم تغفل عن إيجاد الإطار الملائم لفتح باب التفاوض التزاما بما تضمنه بيان 1نوفمبر 1954. في هذا الإطار الذي رسمه البيان ، حرصت جبهة التحرير الوطني على إبقاء باب الاتصالات مفتوحاً وممكناً واستجابت لجميعها بما في ذلك الاتصالات السرية - على الرغم من سوء نية الطرف الفرنسي ، الذي وجد فيها مجالاً لجس النبض،و التنقيب عن مكامن الضعف وايجاد أساليب لضرب الثورة في الداخل والخارج . على أن سلسلة الاتصالات تواصلت و تكررت في فترات متقطعة ما بين سنوات 1956 - 1959 دون أن تحقق نجاحاً يذكر، ومَردُّ ذلك عدم جدية الطرف الفرنسي ، الذي كان يفضل إدراج الاتصالات ضمن استراتيجية الحلّ الأمني العسكري . مما جعلها لا تعدو سوى مناورات سياسية ترمي إلى مساومة قادة الثورة ، وحملهم على قبول فكرة إيقاف القتال أولاً ،وبعدها إجراء انتخابات ينبثق عنها ممثلون للتفاوض مع فرنسا. ومن جانب آخر أكدت الثورة الجزائرية بما لا يدع مجالاً للشك صمودها من خلال انتصاراتها العسكرية على الجيش الاستعماري، ونجاحها في إخراج القضية الجزائرية إلى حيّز أوسع من الحدود الوطنية والإقليمية وفرضها في المحافل الدولية، ، كما فضحت مناورات ديغول بكافة أشكالها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية والمخططات العسكرية مثل سلم الشجعان -إيجاد قوة ثالثة ، مشروع قسنطينة،و مخطط شال - تقوية الأسلاك المكهربة على الحدود الاستعانة بقوات من حلف الأطلسي.
    2/المفاوضات الرسمية:
    في ظل الظروف الأنفة الذكر ، ازداد الوضع السياسي والاقتصادي في فرنسا تأزماً بحيث لم يبق لديغول من مجال لقلب الهزيمة العسكرية إلى انتصار سياسي سوى الدعوة للشروع في مفاوضات مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ، وقد دعا بشكل رسمي وعلني عبر الخطاب الذي ألقاه يوم 14 جوان 1960 إلى الجلوس حول طاولة التفاوض.
    محادثات مولان:
    وبناءً على ذلك كلفت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية السيدين محمد الصديق بن يحي و أحمد بومنجل لاجراء محادثات في 25 جوان 1960 بمدينة مولان الفرنسية مع الطرف الفرنسي . استمرت هذه المحادثات إلى غاية 29 جوان من نفس الشهر غير أنها باءت بالفشل بعد أن تأكدت نوايا فرنسا السيئة والخلافات الواضحة بين الطرفين حول العديد من القضايا التي أراد فيها الفرنسيون إملاء شروطهم سعيا للتعجيل بوقف إطلاق النار لا غير . و قد شرح السيد فرحات عباس رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية - في نداء وجهه للشعب الجزائري يوم 5/7/1960 - موقف حكومته من محادثات مولان حين قال "... فعندما اتخذنا في العشرين من يونيو الأخير قرارا يقضي بإرسال بعثة إلى فرنسا لم يفتنا أن نذكر بأن هناك خلافات كبرى بيننا و بين الحكومة الفرنسية ، و في مولان أتضح أن هذه الخلافات أكبر مما كنا نظن ... فلم يكن تقارب بين وجهات نظر الفريقين فحسب ، وإنما وجد مبعوثانا نفسيهما أمام رفض بات للدخول في المفاوضات ... وحتى في المفاوضات تقف الحكومة الفرنسية موقف الاستعماري العنيد و ترفض كلية مناقشة الند للند..." وعليه تواصلت انتصارات الثورة -رغم الخسائر التي لحقت بها- بأن أفشلت مخطط شال، وفوتت الفرصة على ديغول ومشروعه "الجزائر جزائرية" بعد أن استجاب الشعب الجزائري لنداء الجبهة - أثناء زيارة دوغول للجزائر يوم 9 ديسمبر 1960-حيث خرج الشعب في أبهر صور التضامن والوطنية في مظاهرات 11 ديسمبر 1960 عمت مختلف مدن الجزائر من العاصمة ، وهران قسنطينة ، بجاية ، البليدة وغيرها ، كما صعد جيش التحرير الوطني من كفاحه .أما على المستوى الخارجي فقد نشطت بعثات جبهة التحرير الوطني على جميع الأصعدة ، مما أجبر حكومة ديغول على العودة إلى طاولة المفاوضات . وبمساعي سويسرية ممثلة في شخص أوليفي لانغ تجددت اللقاءات بين وفدي الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية و الحكومة الفرنسية في لوسارن و نيوشاتل ، جمعت أحمد بومنجل وأحمد فرنسيس و سعد دحلب بممثلي الحكومة الفرنسية براكروك ، ثم شايي .و لاحقا التقى جورج بومبيدو دولوس بالسيد الطيب بولحروف في نيوشاتل
    ايفيان الأولى:
    كان من المرتقب إجراءها في 7 أفريل1961 لكنها تأخرت نتيجة وضع فرنسا السياسي الذي ازداد تأزما ، بالإضافة إلى رفض جبهة التحرير فكرة إشراك أطراف أخرى في المفاوضات عندما أفصح لوي جوكس في 31/3/1961 عن نية حكومة بلاده اشراك الحركة الوطنية الجزائرية (. .(MNA بالإضافة إلى حادثة اغتيال رئيس بلدية ايفيان و ما تلاه من أحداث نتيجة الضغط الذي أظهره المستوطنون المتصلبون بمواقفهم المنادية بشعار "الجزائر فرنسية"، وقد ذهبوا أبعد من ذلك بأن أسسوا منظمة إرهابية: منظمة الجيش السري O.A.S . كما حاول أنصار الجزائر فرنسية من الجنرالات المتطرفين من أمثال صالان و جوهو و زيلر وشال الإطاحة بالرئيس ديغول في 22 أبريل1961 مما عرَّض المفاوضات إلى التأجيل إلى غاية يوم 20 ماي 1961 بمدينة ايفيان، أين إلتقى الوفد الجزائري المشكل من السيد كريم بلقاسم - محمد الصديق بن يحي - أحمد فرنسيس -سعد دحلب و رضا مالك و أحمد بومنجل بـ السيد لوي جوكس و كلود شايي و برونو دولوس … ورغم الجلسات المتكررة ما بين 20 ماي - 13جوان 1961 لم يحسم في القضايا الجوهرية إذ اصطدمت مرة أخرى بإصرار الطرف الفرنسي بمناقشة ملف وقف إطلاق النار بمعزل عن بقية الملفات، والمساس بالوحدة الترابية للجزائر في إطار سياسة فصل الصحراء ، ومسألة محاولة فرض الجنسية المزدوجة للفرنسيين الجزائريين ، إلا أن الطرف الجزائري رفض المساومة على المبادئ الأساسية التي أقرها بيان أول نوفمبر 1954، الأمر الذي دفع بالسيد لوي جوكس رئيس الوفد الفرنسي تعليق المفاوضات يوم 13جوان 1961 .
    محادثات لوغران:
    استؤنفت المحادثات في لو غران ما بين 20 - 28 جويلية 1961 لكن بدون جدوى مما جعل المفاوض الجزائري يبادر هذه المرة إلى تعليقها بسبب إصرار الحكومة الفرنسية على التنكر لسيادة الجزائر على صحرائها مروجة لمغالطة تاريخية مفادها أن الصحراء بحر داخلي تشترك فيه كل البلدان المجاورة وبهدف ضرب الوحدة الوطنية و إضعاف الثورة وتأليب دول الجوار عليها . و بذلك علقت المحادثات نظرا لتباعد وجهات النظر بين الطرفين لاسيما فيما يخص الوحدة الترابية . ولم تباشر الحكومة المؤقتة اتصالاتها إلا بعد أن تحصلت على اعتراف صريح في خطاب الرئيس الفرنسي شارل ديغول يوم 5سبتمر 1961 ضمنه اعتراف فرنسا بسيادة الجزائر على صحرائها. على إثر ذلك تجددت اللقاءات التحضيرية أيام: 28 - 29 أكتوبر 1961 ثم يوم 9 نوفمبر 1961 في مدينة بال السويسرية جمعت رضا مالك و محمد الصديق بن يحي بـ شايي ودو لوس عن الطرف الفرنسي و في 9، 23 و 30 ديسمبر 1961 التقى سعد دحلب بلوي جوكس في مدينة لي روس لدراسة النقاط الأساسية و مناقشة قضايا التعاون وحفظ النظام أثناء المرحلة الانتقالية ومسألة العفو الشامل. و بعد أن ضمن المفاوض الجزائري تحقيق المبادئ الأساسية و السيادية خلال المفاوضات التي جرت بـ لي روس ما بين 11- 19 فبراير 1962و مصادقة المجلس الوطني للثورة الجزائرية على مسودة محادثات لي روس أبدى استعداده للدخول في مفاوضات المرحلة النهائية
    مفاوضات ايفيان الثانية:
    بعد أن صادق المجلس الوطني للثورة الجزائرية على مسودة (لي روس) أعلنت الحكومة المؤقتة رغبتها في مواصلة المفاوضات رسميا في مدينة ايفيان الفرنسية أين التقى كريم بلقاسم و سعد دحلب و محمد الصديق بن يحي ، و لخضر بن طوبال و امحمد يزيد و عمار بن عودة رضا مالك و الصغير مصطفاي بالوفد الفرنسي: لوي جوكس وروبير بيرون ، و برنار تريكو و برينو دو لوس و كلود شايي والجنرال دو كماس ، في جولة أخيرة من المفاوضات امتدت ما بين 7- 18 مارس 1962. توجت بإعلان توقيع اتفاقيات ايفيان و إقرار وقف إطلاق النار، و إقرار مرحلة انتقالية وإجراء استفتاء تقرير المصير . كما تضمنت هذه الاتفاقيات جملة من اتفاقيات التعاون في المجالات الاقتصادية و الثقافية سارية المفعول لمدة 20 سنة.

    3/مضمون اتفاقيات ايفيان:
    يمكن تلخيص مضمون اتفاقيات ايفيان و حصرها في النقاط التالية:
    1-وقف إطلاق النار ابتداء من يوم 19 مارس 1962م.
    2- الاعتراف باستقلال الجزائر و سيادتها الكاملة على أراضيها ووحدة ترابها.
    3- موافقة الجانب الجزائري على تأجير قاعدة المرسى الكبير بوهران للسلطات الفرنسية لمدة 15 سنة و كذلك مطارات عنابة و بوفاريك و بشار و رقان لمدة 05 سنوات .
    4- تكفل الجزائر بسلامة الحقوق الخاصة ، بامتيازات استغلال المناجم و المحروقات و حرية الشركات الفرنسية في الاستمرار في ممارسة نشاطها .
    5- حق المستوطنين في الاختيار بين الجنسية الجزائرية و الفرنسية مع إعطائهم ضمانات كافية للاحتفاظ بأملاكهم و أموالهم.
    6- التعاون بين الجزائر و فرنسا في جميع الميادين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية.
    7- تحديد الفترة الانتقالية بـ 04 أشهر ، يتم خلالها التمهيد لإجراء الاستفتاء.
    8- يشرف على الحكم خلال الفترة الانتقالية لجنة تنفيذية مشتركة .
    9- يتم إجراء عملية الاستفتاء حول تقرير المصير عقب الفترة الانتقالية مباشرة ، و تشرف على العملية لجان جزائرية فرنسية مشتركة و تكون صيغته الاستفتاء : نعم أو لا للاستقلال و التعاون و نسجل هنا اختلاف وجهات المنظر بين القادة الجزائريين حول مضمون هذه الاتفاقية فمنهم من يرى بأنها استعمار مقنع و أنها ربطت مصير الجزائر بفرنسا إلى الأبد ، حيث سمحت للفرنسيين بالاحتفاظ بالقواعد العسكرية في الجزائر ، و سمحت للمعمرين بالاحتفاظ بامتيازاتهم و أعطت الحق للشركات الفرنسية باستغلال ثروات البلاد و منهم من يرى بأن الاتفاقية نصر عظيم للثورة الجزائرية حيث أنها خلصت البلاد من الهيمنة الاستعمارية الفرنسية التي دامت 132 سنة و منهم من يرى بأنها خطوة ايجابية نحو الاستقلال التام إذ يمكن تجاوز بعض سلبياتها فيما بعد. و فعلا بدأت الجزائر بمجرد استعادة استقلالها في التخلص من بعض البنود السلبية للاتفاقية لتستكمل استقلالها السياسي والاقتصادي و الثقافي.



    ثالثا: الدولة الجزائرية الفتية....و تحديات الاستقلال
    1/ توقف القتال وإعلان الاستقلال :
    بعد موافقة الطرفين الجزائري و الفرنسي على بنود اتفاقية ايفيان بدأت عملية التنفيذ مباشرة ففي 19مارس1962 تم وقف إطلاق النار بكامل التراب الجزائري، و بالتالي انتهت الحرب بعد 07 سنوات و نصف و بدأت اللجنة التنفيذية المشتركة في الإشراف على تسيير البلاد و في شهر جوان 1962 عقد المجلس الوطني للثورة الجزائرية اجتماعا له بطرابلس لبحث مستقبل البلاد ، و انتهى في الاخير و بعد خلافات حادة بوضع ما سمي بـ " ميثاق طرابلس " و في أول جويلية 1962 بدأت عملية الاستفتاء حول تقرير المصير و كانت صيغة نعم او لا للاستقلال و التعاون و جاءت نتيجة ايجابية حيث صوتت الأغلبية الساحقة من الشعب الجزائري لصالح الاستقلال و في 05 جويلية 1962 تم الإعلان الرسمي عن استقلال الجزائر .

    2/قيام الجمهورية الجزائرية:
    في 19 مارس 1962م أعلن عن اتفاق القتال فوضع بهذا حدا لحرب إبادة طويلة ضد الشعب الجزائري مارسها الاستعمار الفرنسي بكل وحشية ، و قد انتهت هذه الحرب باتفاق ايفيان بين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية و فرنسا و بمقتضى هذا الاتفاق يتحقق استقلال الجزائر على أساس احترام وحدتنا الترابية و الشعبية.
    ظروف تكوين الجمهورية الجزائرية:
    بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 ، تكونت هيئة تنفيذية بموافقة الطرفين الجزائري و الفرنسي برئاسة عبد الرحمان فارس لتشرف على تسيير امور البلاد ريثما تتكون الحكومة الوطنية لتحل محل السلطات الفرنسية ، و حددت اتفاقيات ايفيان مدة صلاحيتها بأقل من أربعة أشهر. و في هذه المدة واصلت جبهة التحري الوطني نشاطها للقضاء على منظمة الجيش السري الإرهابية L’OAS و في شهر ماي – جوان 1962 عقد المجلس الوطني للثورة الجزائرية C.N.R.A مؤتمرا عاما ضم أعضاء الحكومة المؤقتة و القيادة العامة لجيش التحرير الوطني و قادة الولايات الست ، و انتهى بوضع برنامج طرابلس الخاص بمستقبل الجزائر المستقلة كما تم فيه تكوين المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني ، و في الفترة الممتدة من 19 مارس الى 01 جوان 1962 تم اطلاق سراح المساجين من السجون الفرنسية داخل الجزائر و خارجها ، و عاد معظم اللاجئين إلى ارض الوطن و شرع الآلاف من المعمرين في مغادرة الجزائر و في 01 جويلية 1962 وقع الاستفتاء الشعبي على تقرير المصير و كانت الاستفتاء هي نعم او لا للاستقلال و التعاون و أعلنت عن النتائج في يوم 02-07-1962 فكانت 5.975.581 صوتوا بنعم من مجموع 5.992.115 و في نهاية سبتمبر أقدمت الحكومة الجديدة على تعيين المرشحين للمجلس الوطني التأسيسي و كان عددهم 196 نائبا و في أول اجتماع له اعلن قيام الجهورية الجزائرية في 26 سبتمبر 1962 ، انتهت مهمة الهيئة التنفيذية المؤقتة و حلت محلها الحكومة الجزائرية منتهجة النهج الاشتراكي .
    مؤتمر طرابلس و الاختيارات الكبرى في الجزائر:
    عقد المجلس الوطني للثورة الجزائرية بطرابلس ليببا مؤتمرا هاما ضم أعضاء الحكومة المؤقتة و القيادة العامة للجيش و قادة الولايات الست و بعض المسؤولين الذين تم الإفراج عنهم من سجون فرنسا و استمر هذا المؤتمر عدة أيام من أواخر شهر ماي إلى بداية شهر جوان 1962 ، و انتهى بوضع برنامج طرابلس الخاص بمستقبل الجزائر المستقلة كما تم فيه تكوين المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني فبرنامج طرابلس حدد السياسة العامة للبلاد و حدد الوسائل التي بواسطتها يمكن علاج المشاكل التي واجهتها الجزائر غداة استقلالها و تضمن الميثاق مجموعة من الاختيارات تظهر من خلال :
    1- الاختيارات السياسية
    أ- محاربة الاستعمار و دعم وحركات التحرر في كل العالم.
    ب- دعم السلم و التعاون الدولي المتوازن و العادل.
    ج- تجسيد الوحدة المغاربية و الإفريقية .
    د- بناء دولة عصرية على أسس ديمقراطية في إطار مبادئ اشتراكية.
    2- الاختيارات الاقتصادية
    أ- محاربة التسلط الاحتكاري و الإقطاعي.
    ب- ضرورة بناء اقتصاد وطني متكامل و تحقيق الاستقلال الاقتصادي.
    ج- تطبيق سياسة التخطيط.
    د- مراجعة العلاقات الاقتصادية مع الخارج مع إحداث تغيير جذري على هياكل الحياة في الريف و تصنيع البلاد.
    هـ- التأكيد على النظام الاشتراكي كوسيلة للتنمية الشاملة المتوازنة.
    3- الاختيارات الاجتماعية و الثقافية
    -رفع مستوى معيشة السكان بالقضاء على البطالة، الأمية، تحسين الوضعية الصعبة و توفير السكن- استعادة الثقافة الوطنية و إعطاء اللغة العربية مكانتها
    - دعم الثقافة الوطنية على أسس علمية ثورية
    - ترسيخ القيم الوطنية في إطارها الحضاري العربي و الإسلامي
    - تأكيد التمسك باللغة العربية كعنصر أساسي للهوية الوطنية المتميزة
    III المشاكل التي واجهتها الجزائر في بداية الاستقلال و الاهتمامات المستعجلة للجهورية الجزائرية : واجهت الجمهورية الجزائرية الفتية غداة استرجاعها للاستقلال الوطني مشاكل مختلفة في شتى الميادين نظهر من خلال :
    أ- المشاكل السياسية : * اتفاقية ايفيان و ما نصت عليه من بقاء مع بعض الجيش الفرنسي مرابطا في بعض المغارات و الموانئ الإستراتيجية ( مرسى الكبير ( لمدة 15 سنة …. ) و رقان …. ) مع بقاء المعمرين محتفظين بامتيازاتهم الاقتصادية و الاجتماعية و هو ما يهدد السياسة الوطنية * الصراعات و الحزازات الشخصية على السلطة بحيث تطورت من خلافات كلامية إلى استعمال السلاح و البلاد و ما تزال لم تضمد جراحها ‘ أزمة صائفة 1962 " * الخلافات الحدودية بين الجزائر و جيرانها خاصة مع المغرب الأقصى في عام 1963 م.
    ب- المشاكل الاجتماعية : لقد أسفرت الحرب التحريرية عن استشهاد أكثر من مليون و نصف المليون شهيد و حوالي 3 ملايين من الذين كانوا في المحتشدات و 100 إلف معتقل و 300 ألف كانوا لاجئين خارج الوطن و خاصة في تونس و المغرب الأقصى و أكثر من 300 ألف يتيم من بينهم 30 ألف يتامى و ألاف من المعطوبين و الآلاف من النازحين من الأرياف نحو المدن ناهيك عن الأرامل و المرضى و المشردين و العاطلين عن العمل …. الخ.
    ج- المشاكل الاقتصادية : قام الاستعمار الفرنسي بتدمير أكثر من 08 ألاف قرية و خرب العديد من الطرق و الجسور و احرق الآلاف من الهكتارات من الغابات و الأشجار المثمرة و قضي على الآلاف من المواشي و اتلف المزارع و قام بزرع الالغام في مساحات شاسعة من الأراضي. و قام بتخريب الآلات الفلاحية و الصناعية و تهريب رؤوس الأموال التي قاربت 100 مليار فرنك و تركت ديون قدرت ب 20 مليار فرنك كما هاجر مليون إطار أوربي الجزائر عام 1962 .
    د- المشاكل الثقافية: و تتمثل في أمية السواد العظم من الشعب الجزائري بكل فئاته و قلة الإطارات الفنية و المعلمين و قلة المدارس و مراكز التعليم و عموما فرنسا لم تترك للشعب الجزائري ما تفتخر به بل الأدهى و الأمر هو أحوال الشعب الجزائري في عام 1830 كانت أحسن بكثير من عام 1962 .
    3/الاهتمامات المستعجلة للجمهورية الجزائرية:
    لم تبق الجزائر مكتوفة الأيدي حيال هذه المشاكل الخطيرة بل بذلت مجهودات جبارة من اجل الحيلولة دون استفحالها و انتهجت في ذلك الأساليب التالية :
    أ-إعادة بناء و ترميم القرى التي خربها الاستعمار الفرنسي لتجميع السكان و الحد من النزوح .
    ب-التكفل بالأرامل و أبناء الشهداء و المعطوبين و اليتامى و توفير لهم كل الإمكانيات.
    ج- توفير العلاج و المرافق الصحية لأبناء الشعب للقضاء على الأمراض و الحد من الوفيات.
    د- استصلاح الأراضي الزراعية و إعادة تشجير الغابات و الاهتمام بتربية المواشي
    و- الانطلاق في سياسة التأمينات ( الأراضي، البنوك، المناجم، المحروقات ….. الخ) .
    هـ- الاهتمام بالتعليم و الثقافة الوطنية بتوفير الإمكانات و إقامة علاقات تعاون مع الدول الشقيقة و الصديقة و هكذا بعد استدمار دام 132 سنة خرجت فرنسا من الجزائر ووجد الشعب الجزائري نفسه أمام تحديات جديدة تتمثل في ذيول الحرب و مخلفات الدمار و الخراب فاتخذت السلطات آنذاك إجراءات مستعجلة للحيلولة دون استفحال المشاكل و مخلفات المستدمر الفرنسي .


    الخاتــــمة


    إن اتفاقيات ايفيان تعد نتيجة منطقية للكفاح المسلح والمعاناة والتضحيات التي قدمها الشعب الجزائري طوال سبع سنوات ونصف من الثورة التحريرية.
    إذ أن مقاومة الشعب الجزائري هي التي دفعت فرنسا إلى القيام بتنازلات تدريجية إضافة إلى تراجعها عن جملة من مواقفها الأولية المتمثلة في مطالبة الشعب الجزائري وممثله الشرعي (جبهة التحرير الوطني) برفع الراية البيضاء والاعتراف بالهزيمة.
    إن المفاوضات مهدت لاستقلال الجزائر رغم بعض الخلافات التي يمكن أن تحدث في أي مكان، ولقد عمل قائد الأركان الراحل الرئيس هواري بومدين على توحيد جيش الحدود وجيش الداخل قبيل الاستقلال لأنه كان يرى أن قوة الطرف الجزائري في المفاوضات تتمثل في الوحدة، والتذكير بأن الهدف الأسمى هو تحقيق الاستقلال وليس الركض وراء المناصب العليا.
    و لا يفوتني هنا أن أركز على استمامة و صمود المفاوض الجزائري و الذكاء الذي كان يتمتع به فحسن إدارة الوفد الجزائري المفاوض لمسار هذه المفاوضات هو الذي عجل بقطف ثمارها.
    و كان عمل المفاوض الجزائري مدعما و مكملا لعمل أخيه المجاهد الذي حمل السلاح و قدم دمه و جهده و كل ما يملك فداء لتراب هذا الوطن الغالي.
    و في هذا رد على بعض المشككين و المستلبين حضاريا من إخواننا وبني جلدتنا و الذين يزعمون أن استقلال الجزائر كان هبة من ديغول.
    فبئس ما يدعون ؟ !!!


    قائمة المصادر و المراجع

    01) شارل ديغول، مذكرات الأمل، التجديد 1958-1962، باريس 1970 .
    02) مح

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 23, 2014 10:46 am